مدونة أعيد فيها نشر مقالات أعجبتني حتى وإن اختلفت جزئيا معها..

الجمعة، 25 يناير، 2008

فيوليت داغر: مجتمع متحرر من تديين السياسة وتسييس الدين

ذات يوم قال الكاتب الفرنسي أندريه مالرو، وزير ثقافة الجنرال ديغول، أن القرن الحادي والعشرين سيكون دينياً أو لن يكون. استند في قراءته هذه إلى قسوة الأزمنة المعاصرة ووحشيتها. لحقبة أصلت لمعالم الغنى الفاحش والفقر الكافر. لإنهيار الإيديولوجيات وولادة الأصوليات. لخنق المدارس الفكرية في أتون المدارس الفقهية. لتجديد استعمار الناس للناس بطرق دينامية ومرنة وبراقة. للنبذ المتسارع للأضعف، ولسيادة قانون القوة على قوة القانون. وهكذا، كلما ضعفت قدرة الإنسان على إقامة العدل وتحقيق تطلعاته للرقي والانعتاق من القهر والفقر، تنصبت المرجعية الإلهية كمعلم أساسي في نمط التفكير. وعندما تغيب سطوة الدين، يكون شيء آخر كالعنصرية ونبذ الآخر المختلف والحاق الأذى به.

عندما واجهت الثورة الفرنسية الكنيسة الكاثوليكية في حرب مفتوحة، جرى ذلك باسم العدالة والمساواة والحرية وحق مقاومة الظلم. فقد طرحت حقوق الإنسان في عصر التنوير في مواجهة حقوق الكنيسة باعتبارها طبيعية، أي في صلب التكوين الإنساني. أما النهضة العربية فلم تضطر لهذه المواجهة المباشرة بين الديني والدنيوي، بل كانت أقرب للأنموذج الأميركي الذي تعايشت فيه الأخلاق البروتستنتية مع الحريات الفردية. لذا كانت الخيوط والصداقات مفتوحة بين العلمانيين غير الدينيين والإصلاح الديني، خاصة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. مثالنا على ذلك مراسلات شبلي شميل وفرح أنطون مع شخصيات إسلامية ومسيحية متدينة. كذلك صداقات عبد الرحمن الكواكبي مع مثقفين علمانيين ورموز مسيحية عربية. مما يعكس قوة التواصل في ظل الاختلاف وتفهم حقيقة التعايش السلمي بين الفكر التنويري المتأثر بأوروبا والفكر الإسلامي الإصلاحي. وهذا التنوع سمح بدينامية صراعية كانت العنصر الأقوى في ما صار يسمى النهضة.

لا شك في ان فشل النهضة أو عدم قدرتها على التحول إلى واقع ثقافي دائم، لا يعود فقط لأسباب ترتبط بالبنى الاقتصادية-الاجتماعية وبالنظام السياسي القمعي، بل كذلك لمشكلات ذاتية في الطرح والتوجه والقدرة على انتاج الغذاء الذهني الضروري لمهمة من هذا النوع. الأمر نفسه يفسر معضلة الفكر غير الديني في العالم العربي اليوم. بما يطرح السؤال حول إمكان إشباع العطش الفكري بمجرد التتلمذ على يدي فوكو أو أدورنو أو هوركهايمر. لا ننسى أيضاً تقطيع أوصال الذاكرة الفلسفية والعقلانية في الثقافة الشعبية عبر أنماط حكم غطت فسادها واستبدادها باستهداف الفكر الحر! فهل بعد ذلك يمكن الحديث عن نشأة مدارس فكرية محلية تمكنت، خلال المئوية الراحلة، من تجاوز (والتجاوز غير الإلغاء) الفكر الغربي في سيرورة التغيير؟

لقد كانت النهضة قبل ألف عام ابنة صراع دينامي بين المعرفة الحكمية والمعرفة الدينية. لكن مع دخول التكفير طرفاً مركزياً في العلاقة بين الملل والنحل، أفلت الحضارة وانتصر المذهب الواحد والحزب الواحد. وبالطريقة نفسها تموت اليوم مشاريع تنويرية في العالم العربي، عندما لا يتمكن المجتمع من استيعاب تيارات ديموقراطية علمانية تجاور الإصلاح الإسلامي، ضمن علاقة تكاملية وتنافسية ونقدية، أي ضمن الشكل الحديث للمبارزة، الذي هو التعددية الديموقراطية.

في حقبة الاستعمار، زجت الصراعات التي خيضت ضده قطاعات واسعة من شعوب المنطقة في النضال الوطني وفي الشأن العام. وكان يفترض بهذه البيئة أن تمهد لمرحلة إصلاح سياسي وغنى فكري. لكن قيام الدولة الوطنية في أعقابها غلّب الانتقال الى بيئة تتميز بالفكر الأحادي والسلطة الدائمة. هذا النظام التسلطي شكل التربة الخصبة للعودة اجتماعياً الى العلاقات العضوية من عشائرية وطائفية على حساب العلاقات المدنية. كذلك النكوص فكرياً والبحث عن الطمأنينة العقائدية في غياب الطمأنينة السياسية والاقتصادية. هذه الطمأنينة الدينية لم تكن بالضرورة نضالية أو نشاطية بالمعنى الإصلاحي أو الجهادي، بل تحمل الانكفاء عن المشاركة في الحياة السياسية والمدنية. كذلك لم يتم تراجع الفضاء غير الديني لمصلحة الحركة الإسلامية السياسية بالضرورة.

أما عندما وسمت بعض النظم التسلطية بالعلمانية، كان التيار غير الديني أول من دفع الثمن. كونها لم تحمل من العلمانية جوهرها ومرتكزاتها الديموقراطية، بل كانت مصلحية وتسلطية، فبات تعبير العلمانية وصمة سلبية لمن يرمز لهم. يمكن القول أيضا إن التيارات الدينية قد نجحت إلى حد ما في إدخال المصطلح في الوعي الجمعي كنتاج غربي لنشر الالحاد وضرب الإسلام. لكن إن كان المنطلق في العلمانية اعتبار أن أي عمل سياسي هو عمل بشري بالضرورة، أي دنيوي وغير مقدس، فهذا بحد ذاته حماية للقيم السامية للدين ولا يجوز اعتباره اساءة له.

مع ذلك، هناك فضاء غير ديني وغير علماني، ألا وهو الفضاء المدني. فضاء يحتمل التعددية ويبحث عن قواسم مشتركة بين البشر ولا يخوض في الثنائيات. هذا الفضاء ما زال للأسف محدود المساحة في الوعي الشعبي، رغم تبني العديد من الحركات الإسلامية السياسية له. فالدولة المدنية لم تأخذ مكانها بعد على حساب تراجع الفضاء الفكري والسياسي الطائفي. وإلا فالمشكلة كانت ستجد حلاً لها في لبنان على سبيل المثال، بدل التسبب في أزمات متوالية لهذا البلد، ووضع شعبه على كف عفريت بين الفينة والأخرى.

طبعاً لا يغيب عن ذهننا الدور الفاعل للقوى الخارجية التي تستفيد من هذا المناخ وتوظفه في خدمة مصالحها. وهذا عندما لا تغذيه عن سابق اصرار وتصميم، في الوقت الذي ترتكب الكبائر باسم نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان. الى درجة باتت هذه المصطلحات تزرع الشك والتوجس من كل يمت بصلة لها في عقول من تنطلي عليهم هذه الألاعيب. يضاف الى ذلك أن هذه القوى ليست أفضل من يحمل راية هذه الشعارات. ولعلنا نذكر كيف شكّل منذ المكارثية وصول تيار المحافظين الجدد مع رونالد ريغان ضربة في صميم الابداع الثقافي والفكر النقدي.

أما عندما قدم بوش الإبن ومن حوله ووقعت أحداث 11 أيلول، كانت الضربة القاصمة للقيم المدنية والفكر النقدي. وبات تسطيح الثقافة وشراء الذمم وأصحاب القلم والصورة والصوت سياسة سائدة، إضافة الى عولمة حالة الطوارئ وبسط القوانين الاستثنائية باسم محاربة ما سمي بالارهاب، مما ضرب في الصميم مؤسسات خيرية وجمعيات حقوقية وشخصيات سياسية، ليس فقط إسلامية وإنما أيضاً علمانية. وذلك لمجرد أنها لا تتفق مع الرأي المهيمن، وكونها باتت تشكل قوة مضادة لا يستهان بها، حتى داخل الولايات المتحدة.

هذه الحالة جعلت من سجن أبو غريب ومعسكر غوانتانامو نماذج للتعميم في الفكر والممارسة في كل مكان. فالهدف هو إلغاء الحقوق الدنيا للشخص قبل أن يكون للسجين. واعتبار ذلك مثالاً للقوة الردعية من أجل إرهاب الجماعات والدول. هذه السياسات الكارثية كان لها أن تضرب في الصميم إنجازات ستين عاما للحركة المدنية غير الحكومية وبين الحكومية، التي كانت تتوخى عالماً أقل ظلماً وأكثر عدالة واحتراماً للكرامة الإنسانية، بعد تجربة سنوات حروب عالمية مدمرة ومريرة. وأكثر فأكثر، بات التواجد العسكري والحلول الأمنية أفضل طريقة لحماية الأمن القومي. في حين أن الدفاع عن الحقوق الأساسية وكرامة العباد أصبح موقفاً ساذجاً أو موصوماً بغايات اقتصادية ومصالح ذاتية لتبرير خلو المعايير الشخصية من مثل عليا وقيم نبيلة. أما الاستبداد، فقد تلازم مع الفساد الذي استشرى وأصبح هو أيضاً وسيلة للسيطرة واطالة أجل العسف الصلف.

بالتأكيد هذا الوضع لم يستطع رغم طغيانه أن يمنع قيام ثقافات مقاومة وقوى مناهضة في العالم العربي، بل بالعكس قد يكون حفزها. فبرزت هنا وهناك مبادرات عديدة وفاعليات مدافعة عن قيم الديموقراطية والتحرر والعدالة الاجتماعية. تقاوم التدخل في السياسات الداخلية لفرض الارادة وتذرير الشرائح المجتمعية على أسس عرقية ودينية ومذهبية واجتماعية وسياسية، وتنشط ضمن تشكيلات المجتمع المدني المختلفة من أجل حقوق المواطنة ودولة القانون. وهي حين ترفض أن تختزل إلى ثنائية الإيمان والإلحاد، تدعو لإعادة الاعتبار إلى الثقافة النقدية. كما تتطلع إلى مجتمع بديل متحرر من تديين السياسة وتسييس الدين. لكن هذه المحاولات لم تصبح تياراً جامعاً يفرض نفسه في النسيج المجتمعي، ومن تتصدى له ما زال اللاعب الأقوى. وسيبقى كذلك طالما أنها لم تنجح بعد بالانتقال الى محاكمة من تطاول على حقوقها وارتكب جرائم بحق الشعوب.

في وضع مستعصٍ كهذا ما زال رجال الدين أصحاب نفوذ لا يستهان به، وما زال الدين ملاذ الشعوب المقهورة. وما زال فصل الناس عن بعضهم على أساس الإيمان عقبة أمام خلق أية صيغة تشاركية بينهم، خاصة مع تواجد الدين كجزء من الميراث الحضاري، ومن الوعي الفردي والجماعي المكون لشعوب المنطقة والدور التاريخي للإسلام في حركة التحرر من الأجنبي. يضاف الى هذا الواقع الخلط الكبير في ذهن الكثيرين، حتى في صفوف الانتلجنسيا، بين القوى الليبرالية والديموقراطية. فقد غيبت التخوم بينهما عند الكثيرين، بما فيه عند نخب كانت حتى البارحة تسمي نفسها علمانية وماركسية واشتراكية، انتقلت بقدرة قادر من موقع إلى نقيضه، وكأنها تبحث عن مرجعية خارجية تحمل مواصفات طالما اشتهتها لنفسها وأسقطت عليها رغباتها وحاجاتها. فجسّدتها مثالاً يحتذى ووضعتها في منزلة الخالق الذي كفرت به، في مواجهة الديني الذي تخشى.

وحيث ان الدوغمائية ليست حكراً على تيار فلسفي (سياسياً كان أو دينياً أو ثقافياً) دون غيره، فالإصابة بالتصلب الفكري سمحت بتفكيك أوصال الجسم المجتمعي والنفاذ اليه من داخله. في وضع كهذا لم يكن من الصعب أن يختلط الحابل بالنابل في ذهن الكثيرين وأن تضيع قيمة الثمين بين الغث البراق والمتكاثر. فالتكفير لا يسلط سيفه فقط ضد اللاديني، وإنما يتنصب في مواجهة المرتدين والمنشقين عن الجماعة. وإذا كانت ممارسة الديموقراطية تتطلب الاستقرار، فهذا لا يمكن توافره مع العنف الذي يفرضه الاحتلال والهيمنة الخارجية، ولا القمع الداخلي من قبل السلطة التسلطية التي تعطل الحياة الديموقراطية. العلاقة جدلية بين العنف الذي يبث سمومه في جسم المجتمع من فوق والأمراض المزمنة والآفات المعدية التي تستشري فيه. فالحاجة لايجاد نوع من التوازن عند من يستهدَف تدعو لردود فعل قد لا تكون موفقة. ولنا في ما يجري على الساحة السورية المعارضة مثال مهم على ما نقول.

ربما يغيب عن الذهن أنه بين الاقتناعات الفكرية والأمزجة والعواطف ومكونات اللاوعي، تجاذبات وتناقضات ليس من السهولة بمكان بلوغ كنهها وكشف أحاجيها. ولو كان ذلك في متناول العامة لما وصل الشقاق والعراك الى هذا الجزر الرهيب الذي ندفع ثمنه أفراداً وجماعات وأوطاناً. والوباء الذي ينتقل بالعدوى يمكن أن يصيب العقول مثلما يفتك بالأجساد. لذلك ما زلنا نتخبط في متاهات المذهبية والطائفية والولاءات الخارجية، وبين تجاذبات المصالح الشخصية والانقسامات الفئوية والتقلبات السياسية. دون أن نجد المخرج الأنجع للخلاص من هذا التردي المستنقعي والتخبط الوجودي. وربما أن البدء بالعمل على الذات هو الخطوة الأولى التي لا بد منها قبل تجشم عناء أي تغيير.